أبي طالب المكي
94
علم القلوب
شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29 ] ، فالتوحيد ما وصف فيه مبدأه وأضافه إليه ، والمتشابه من التفصيل ما وصف به الخلق وأضافه إليهم ، ثم نصب « 1 » ذلك للمواجهين ، فمن كانت وجهته الحق يشهد منه التوحيد ، ومن كانت وجهته الخلق يشهد منه التفصيل . وقال جعفر الخلدى : سمعت جنيدا يقول : خرجت من قرية من قرى بني إسرائيل ، أريد دخول مكة ، فرأيت شخصا قاعدا تحت شجرة ، وهو يقول : يا أبا القاسم ، كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهي كفر ، وكل توحيد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو زندقة . وقال بعضهم : التوحيد هو إضافة كل شئ إلى الأصل ، وإن كان اللّه فصل ذلك في الفرع ، ألا تنظر إلى قول أهل الإعراض والغفلة في الفرع بادعاء ما ليس لهم في دعواه [ حق ] ، أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ . . . ؟ [ الزخرف : 51 ] الآية ، وقال : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي . . . [ القصص : 78 ] الآية . وقال : شَغَلَتْنا أَمْوالُنا [ وَأَهْلُونا ] [ الفتح : 11 ] ، ثم لما رجع إلى الأصل ، قال اللّه تعالى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ [ غافر : 16 ] فخرست الألسن ، ولم يجترىء أحد على دعوى الملك ، فقال اللّه تعالى : اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ غافر : 16 ] . وقال بعضهم : هب أن اللّه تعالى أمر الرسول ، عليه السلام ، بالدعوة إليه ، فدعا لقوله : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [ النحل : 125 ] ، فمن الذي أسمع أذان الدعوة ؟ وفتح أقفال القلوب ؟ ووفق للاستجابة ؟ أليس ذاك اللّه ؟ واحد في صنعه ، فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [ وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ ] [ الروم : 52 ] ، وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 59 ] . وقال أبو طالب المكي ، رضى اللّه عنه : إذا نطق الجليل بالتوحيد لم يشرك في حكمه أحدا ، وإن نطق بالتفصيل أشرك معه الخلق ، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ الأنعام : 96 ] . وقال جعفر الصادق ، رضى اللّه عنه : لا دليل على اللّه بالحقيقة غير اللّه ، ولا داعى
--> ( 1 ) في الأصل : انصب .